ابن كثير
502
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
وقوله كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي في إحلاله وتحريمه وفروضه وحدوده ، فيما أمركم ونهاكم عنه ، بينه ووضحه وفسره ، ولم يتركه مجملا في وقت احتياجكم إليه لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي تفهمون وتتدبرون . [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 243 إلى 245 ] أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 ) وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 244 ) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 245 ) روي عن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف ، وعنه كانوا ثمانية آلاف وقال أبو صالح : تسعة آلاف ، وعن ابن عباس أربعون ألفا ، وقال وهب بن منبه وأبو مالك : كانوا بضعة وثلاثين ألفا . وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، قال : كانوا أهل قرية يقال لها داوردان . وكذا قال السدي وأبو صالح وزاد من قبل واسط ، وقال سعيد بن عبد العزيز : كانوا من أهل أذرعات ، وقال ابن جريج عن عطاء قال : هذا مثل . وقال علي بن عاصم : كانوا من أهل داوردان قرية على فرسخ من قبل واسط . وقال وكيع بن الجراح في تفسيره : حدثنا سفيان عن ميسرة بن حبيب النهدي ، عن المنهال بن عمرو الأسدي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ قال : كانوا أربعة آلاف خرجوا فرارا من الطاعون قالوا : نأتي أرضا ليس بها موت حتى إذا كانوا بموضع كذا وكذا قال اللّه لهم مُوتُوا فماتوا ، فمر عليهم نبي من الأنبياء ، فدعا ربه أن يحييهم فأحياهم ، فذلك قوله عز وجل أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ الآية . وذكر غير واحد من السلف ، أن هؤلاء القوم ، كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل استوخموا أرضهم ، وأصابهم بها وباء شديد ، فخرجوا فرارا من الموت ، هاربين إلى البرية ، فنزلوا واديا أفيح ، فملؤوا ما بين عدوتيه ، فأرسل اللّه إليهم ملكين ، أحدهما من أسفل الوادي ، والآخر من أعلاه ، فصاحا بهم صيحة واحدة ، فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد ، فحيزوا إلى حظائر ، وبني عليهم جدران وقبور ، وفنوا وتمزقوا وتفرقوا ، فلما كان بعد دهر ، مرّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل ، يقال له حزقيل ، فسأل اللّه أن يحييهم على يديه ، فأجابه إلى ذلك ، وأمره أن يقول : أيتها العظام البالية ، إن اللّه يأمرك أن تجتمعي ، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض ، ثم أمره فنادى : أيتها العظام إن اللّه يأمرك أن تكتسي لحما وعصبا وجلدا ، فكان ذلك وهو يشاهد ، ثم أمره فنادى : أيتها الأرواح ، إن اللّه يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره فقاموا أحياء ينظرون قد أحياهم اللّه بعد رقدتهم الطويلة وهم يقولون : سبحانك لا إله إلا أنت . وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة ، ولهذا قال :